
لأنَكِ لم تعرفي زمان افتقادِك
يسوع يبكي على أورشليم
"وفيما هو يقترب نظر إلى المدينة وبكى عليها قائلا: إنك لو علمت أنت أيضا، حتى في يومك هذا، ما هو لسلامك! ولكن الآن قد أخفي عن عينيك. َفإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرا على حجر، لأنك لم تعرفي زمان افتقادك" (لوقا 19: 41)
كانت لحظة مؤثرة جداً في خدمة يسوع وهو على أرضنا. فلم يبك يسوع حزناً على مصيره في أورشليم، بل بكى على مصير المدينة نفسها. فقد انفجر يسوع بالبكاء لأنه كان يرثي "الفرصة الضائعة.” كانت صرخته مليئة بِالإِحْبَاطِ. فقد زار المدينة راغباً في خلاصها من الدمار الوشيك وليمنحها السلام. ولكن عمى القادة والشعب الروحي جعلهم لا يميزون معنى زيارته. وكانت النتيجة حتمية، والدمار قادم لا محالة. كانت هذه نقطة التحول بالنسبة للشعب اليهودي. فقد رفض القادة يسوع وتبعوهم معظم الناس. وفي النهاية، "لَوْ عَلِمْتِ أن يسوع هو المسيا"، لنجوتِ من الدمار القادم.
أظهر يسوع قلب الله المُحب. فالله لا يفرح بالإعلان عن الدينونة. ورغم أن دينونته عادلة وصالحة دائماً، إلا أنه يحزن حينما يعلنها على أحد. كانت هذه نقطة التحول بالنسبة للشعب اليهودي. فقد رفض القادة يسوع وتبعوهم معظم الناس. وفي النهاية، لم تفهم ولم تدرك، وكان هلاكها الرهيب!

كتب يوسيفوس المؤرخ في شرح هلاك أورشليم سنة سبعين ميلادية هذه الكلمات: “زالت كل آمال اليهود في الهروب الآن، وأصبحوا غير قادرين على الخروج من المدينة. ثم جاءت المجاعة واتسعت، والتهمت عائلات بأكملها. واِكْتَظَّت العُلّيَّات بالنساء والرضع الذين ينازعون من المجاعة، وامتلأت ممرات المدينة بجثث المسنين؛ وتجول الأطفال والشبان في السوق كالأشباح، متهالكين من الجوع، ثم سقطوا قتلى أينما أخذهم البؤس. كانوا في البداية يدفنون موتاهم، ولكن بعد ذلك لم يتمكنوا من دفنهم، وصاروا يلقون بهم فوق السور إلى الوديان في الأسفل. وحدث مرة، وأثناء تجوال تيطس على طول هذه الوديان، أنه شاهد كل هذه الجثث والعفن يغطيهم، فصرخ ورفع يديه وطلب من الله أن يشهد أن هذا لم يكن بسببه، فهو ليس المسؤول!"
يضيف سبيرجن: “أنه لا يوجد في التاريخ حادثة أبشع من هذا الرعب – هلاك أورشليم، لأنها لم تعرف زمان افتقادها - ولكن حتى هذه الحادثة لا تقارن مع هلاك الروح!"

هل تعرف زمان افتقادك
زمن الافتقاد هو زمن المحبة الإلهية، هو الزمن الذي يتوقع الله فيه رجوعك لمقاصده الإلهية، لو كنت خاطئ أن تتوب عن آثامك وعن الطرق الشريرة التي سرت فيها وترجع الى الرب بكل قلبك. ولو كنت ابن للرب وتذهب الى الكنيسة كل يوم أحد لتصلى وتعيش حياة دينية رتيبة فإن الله يدعوك أن تكتشف دعوته العظيمة لحياتك وما هو الدور الذي يريدك أن تتممه بالخضوع لمشيئته. يتحدث اليك الرب اليوم مهما كان موقعك ليعلمك ان هذا الزمن هو زمن رجوعك اليه أو رجوعك لدعوتك السماوية. كل الأحداث من حولك الآن تقول لك شيئاً واحداً: "تعلم مما حدث مع أورشليم، لأن أورشليم لم تفهم ولم تعرف فهلكت وهُدمت، أما أنت فلازال لك الفرصة، فلا تفقد فرصة السماء لإفتقادك!"
هل الكنيسة تحتاج الى زمن افتقاد؟
كثير من المسيحيين اليوم لهم موقف ممتلئ بالبر الذاتي والاكتفاء وكأنهم لا يحتاجون الى أي اصلاح، كثير من الكنائس اليوم تعيش في كبرياء أنهم أفضل كنيسة وأنهم يعرفون كل الحق أكثر من كثيرين. صار هناك تأقلم غريب مع الخطية والبر الذاتي والتآلف مع العرى وإدمان الجنس الإباحي وكأن الأمر صار ضرورة عصرية!
صار الانقسام في الكنيسة سمة من سمات هذا الزمن، وكل شخص يقول إنه على صواب وله أسبابه الخاصة للانقسام وضاع الحب وضاع حق المسيح. التراشق بالكلام أو حتى التراشق بالأيدي صار وسيلة حل النزاعات بين الكنائس أو داخل الكنيسة الواحدة، وكأننا لا نذكر أن يسوع كان يجاهد في الصلاة في البستان ليلة الصليب وكان عرقه ينزف كقطرات دم وهو يطلب للكنيسة "ليكون الجميع واحدا، كما أنك أنت أيها الآب في وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا، ليؤمن العالم أنك أرسلتني" (يوحنا 17)
الكنائس في الشرق والغرب صارت ممتلئة بالغيرة والحسد والتنافس والشكاية والنزاعات والخصام وصارت النفوس كأنها سلعة للتجارة، وكأننا صرنا كما كانت أورشليم تماما وجعلنا بيوت الصلاة الخاصة بنا مغارات لصوص: "ولما دخل الهيكل ابتدأ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه، قائلا لهم: مكتوب: إن بيتي بيت الصلاة. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!"
لكي تدرك أن الكنيسة تحتاج لأزمنة افتقاد، أتوسل اليك أن تقرأ معي هذه الإنذارات الالهية المسجلة في بداية سفر الرؤيا لكنائس ذلك الزمن:
· "لكن عندي عليك: أنك تركت محبتك الأولى. فاذكر من أين سقطت وتب، واعمل الأعمال الأولى، وإلا فإني آتيك عن قريب وأزحزح منارتك من مكانها، إن لم تتب." (رؤ 2: 4)
يارب نقدم توبة عن ترك المحبة الأولى، وبساطة الأطفال وتورطنا في السياسات الكنسية والخناقات مع البشر. أعطنا أن نحبك من جديد ونقدر محبتك لنا على صليب الجلجثة.
· "ولكن عندي عليك قليل: أن عندك هناك قوما متمسكين بتعليم بلعام، الذي كان يعلم بالاق أن يلقي معثرة أمام بني إسرائيل: أن يأكلوا ما ذبح للأوثان، ويزنوا. . . فتب وإلا فإني آتيك سريعا وأحاربهم بسيف فمي" (رؤ 2: 14)
نتوب يارب عن اشتراكنا في محبة العالم وكأننا صرنا نعبد معهم أوثانهم ونشترك في خطاياهم. نتوب عن التورط الحسي أو الفعلي في الزنا والاستغراق في شهوة الجسد. أرحم كنيستك يارب.

· "لكن عندي عليك قليل: أنك تسيب المرأة إيزابيل التي تقول إنها نبيه، حتى تعلم وتغوي عبيدي أن يزنوا ويأكلوا ما ذبح للأوثان. وأعطيتها زمانا لكي تتوب عن زناها ولم تتب. (رؤ 2: 20)
أغفر لنا يارب أننا تركنا إيزابيل العصر الحديث تقتل أنبيائك اليوم، أغفر للقادة في الكنيسة أنهم قتلوا صوت الخدام الحارين بالروح بدعوى أنهم ليسوا في السياق العام للنظام الديني لكنائسهم. أغفر يارب للقادة الذين تهاونوا مع روح الزنا لكيلا يخسروا أعضاء كنائسهم ولكيلا يخسروا أموالهم!

"أنا عارف أعمالك، أن لك اسما أنك حي وأنت ميت. كن ساهرا وشدد ما بقي، الذي هو عتيد أن يموت، لأني لم أجد أعمالك كاملة أمام الله. فاذكر كيف أخذت وسمعت، واحفظ وتب، فإني إن لم تسهر، أقدم عليك كلص، ولا تعلم أية ساعة أقدم عليك" · (رؤ3 : 1)
توبة عميقة من كل القلب يارب لأجل الخدام والكنائس التي لها أسماء في سجل المشهورين في المجتمع، ولكنهم أموات بالروح وأموات أمامك، وليس لهم ثمر حقيقي. علمنا السهر يارب والتشدد بالروح وليس فقط التشدد أمام الميكروفونات. أجعلنا ننتظرك ساهرين ليوم مجيئك يا قدوس.
· أنا عارف أعمالك، أنك لست باردا ولا حارا. ليتك كنت باردا أو حارا!، هكذا لأنك فاتر، ولست باردا ولا حارا، أنا مزمع أن أتقيأك من فمي" (رؤ 3: 15)
أغفر يارب فتور كنيستك، وأغفر فتورنا في محبتنا لك، وفتورنا في غيرتنا على خلاص البعيدين عنك، والفتور الذي يسيطر على قلوبنا من جهة كثير من الأحباء أخوتنا في جسد المسيح. لا تتقيأ الكنيسة يارب، لكن أصلحنا وأرجعنا الى حرارة الروح بنعمتك، أجعلنا ندرك زمن افتقادك لنا.
"لأنك تقول: إني أنا غني وقد استغنيت، ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير وأعمى وعريان"
نحتاج يارب الى توبة عميقة من جهة هذا الأمر، أننا لم نعد نرى أنفسنا على حقيقتها، ولكننا نرى أنفسنا أغنياء والبر الذاتي يكاد يقتلنا، نحن نكتفي بصورة التقوى، وصرنا مثل قادة أورشليم الذين قلت لهم: "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون! لأنكم تشبهون قبورا مبيضة تظهر من خارج جميلة، وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة"(متى 23: 27)، أغفر لنا وأعطنا نور أن نعرف الحق لكي نرى شقائنا وفقرنا وعرينا من غير حضورك.

نحن في نهاية زمن الكنيسة
في رسالة الرسول بولس الى أهل رومية الاصحاح الحادي عشر يقول إن زمن الكنيسة هو “إلى أن يدخل ملء الأمم" أي الى هذه الأيام التي نحن نعيشها الآن أو ما نسميها "الأيام الأخيرة"
ويقول أيضاً شارحاً أن الله رفض اسرائيل من الفين سنة لأنهم في عدم ايمانهم لم يميزوا زمن افتقادهم ويتساءل ماذا ستكون النهاية المتوقعة للكنيسة، "حسنا! من أجل عدم الإيمان قطعت، وأنت بالإيمان ثبت. لا تستكبر، بل خف! لأنه إن كان الله لم يشفق على الأغصان الطبيعية فلعله لا يشفق عليك أيضا!"
هل نهايتنا ككنيسة ستكون كنهاية أورشليم التي حدثت من الفين سنة أم أننا سنميز وندرك زمن افتقادنا وسنكون الكنيسة التي بلا عيب كما يريدها المسيح.
لنا رجاء عظيم في مخلص عظيم
يعلن القديس بطرس في عظة يوم الخمسين الشهيرة عن رجاء عظيم للكنيسة:
"يقول الله: ويكون في الأيام الأخيرة أني أسكب من روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويرى شبابكم رؤى ويحلم شيوخكم أحلاما. وعلى عبيدي أيضا وإمائي أسكب من روحي في تلك الأيام فيتنبؤون"
نثق أن تأتى أزمنة افتقادنا بسكيب قوى من الروح القدس علينا، وعلى كثير من البشر من حولنا ونرى الكنيسة تشتعل بنار الروح القدس من جديد، ونرى نفوس كثيرة ترجع للرب، والأبناء يرجعون الى الآباء والآباء الى الأبناء، نرى قوة شفاء الروح القدس تأتى على المرضى، والأرواح الشريرة تخرج من كثيرين باسم يسوع العظيم.
هذا وقت صلاة وسهر لكي تأتى أزمنة الفرج من وجه الرب، هل تنضم لجموع المصلين والساهرين.

Comments